top of page

التفــــكير الناقد... ثقافة وطموح   

د. طه فارع غالب

Statistics.jpeg

يحتلّ التفكير مساحة واسعة في مجال الدراسات العِلميّة الحديثة، وذلك باعتباره إحدى القدرات العقليّة الضرورية في حياة الإنسان لاسيما حياة البشر المعرفيّة. إذ يمكن تعريف التفكير باعتباره سلسلة من النشاطات العقليّة التي يترجمها الدماغ عندَ التعرض لإحدى المُثيرات الخارجيّة عن طريق الحواس الخمس. فعملية التّفكير هي نشاط عقلي ناتج عن الدماغ الذي يستجيب لملايين المُثيرات المرئيّة وغير المرئيّة.

يُعتبَر التفكير سلوك إنسانيّ على شكل عمليّة ذهنيّة، وعندما نحدّد نوع التفكير باعتباره "التفكير الناقد" فإننا في هذه الحالة نشير إلى أحد أنماط التفكير التي يستخدمها الإنسان في أمور حياته العادية، ويعرفه بعض العلماء بأنه تفكير مُركَّب يرتبط بعدد غير محدود من التصرفات التي تطبّق في عدد غير محدود من المواقف، أو المواضيع، وهو تفكير يرتبط بالمنطق، والتعلُّم، وحلّ المشاكل والمعرفة.

 كما يمكن أن نطلق على التفكير التأملي المحكوم بقواعد المنطق والتحليل اسم التفكير الناقد، ويتَّصف الشخص الذي يمتلك المقدرة على التفكير الناقد بأنّه شخص قادر على إصدار الحُكم عن مدى صدق النتائج بناءً على المعلومات المتوافرة لديه. كما أن التّفكير الناقض يبتعد عن التعميم في الأحكام أو التسليم بمعلومة من دون التأكّد من مدى صدق هذه المعلومات.

إن التفكير الناقد أسلوب تفكيريّ خاص، يجذبُ انتباه الباحثين والذين والدّارسين إليه نظراً لأهمّيته لدى الفرد والمجتمع على السوا. فهو يُساهم في تكوين أشخاص أكثر انفتاحاً على الأفكار الجديدة وتأقلماً معها. من هذا المنطلق يمكننا التطرق بإيجاز إلى بعض جوانب أهميّة التفكير الناقد، حيث يمنح التفكير الناقد الفرد الحكمة في اختيار الآراء والأفكار التي تناسبه، فلا يتأثَّر بكلّ الأفكار والآراء التي تُعرَض عليه. فضلاً عن ذلك، ان التفكير الناقد يمنح الفرد المقدِرَة على التحليل المنطقيّ للقضايا والمشاكل التي قد يتعرض لها الفرد أو غيره من أفراد المجتمع، ممّا يعزز من قدراتهم على اتِّخاذ القرارات السليمة في مواقف الحياة المختلفة.

ويمكن الإشارة هنا إلى أن التفكير الناقد يأتي في قمة هرم بلوم، الذي يعد أرقى أنواع التفكير، حتى أن البعض يطلق عليه بالتفكير الإبداعي لتميزه واعتماديته على الجوانب العلمية، مع منطقية معاييره وموضوعية نظرته وأحكامه لمختلف القضايا والمشكلات في واقع حياة الأفراد والمجتمعات. فالتفكير الناقد هو تفكير علمي مميّز، يحتاج إلى اكتساب مهارات خاصة لا بدّ من تطبيقها وممارستها لدى الأفراد الذين يسعون إلى تطبيق منهجه.

وتأتي من أبرز تلك المهارات جمع سلسلة من الدراسات والأبحاث والمعلومات والمواقف ذات الصّلة بالموضوع، فضلا عن استعراض الآراء المتباينة ذات العلاقة بذلك الموضوع، مع مناقشة تلك الآراء لتحديد الصحيح منها وغير الصحيح، والعمل على تحديد وتمييز نقاط القوة والضعف في الآراء المتعارضة، كذلك تقييم الآراء بطريقة موضوعية، بعيدة عن التحيّز والذاتية، وتقديم البراهين والأدلة على صحة الرأي الذي تتمّ الموافقة عليه. كما يتطلب هذا النوع من التفكير الدقة في ملاحظة الوقائع والأحداث، مع توافر مساحة كافية من الموضوعية لدى الفرد. بمعنى أوضح، انتهاج مبدأ المصداقية المجردة من العواطف في التعامل مع الذات ومع الغير، وانتهاج القواعد العلمية السليمة التي تحترم العقل والمنطق في اتخاذ كافة القرارات الحياتية المتعلّقة بحياة الفرد.

Name, Title

.تحليل ذو قيمة

bottom of page