top of page

الطفولة والصراع

د. فتحية محمد

Statistics.jpg

يبقى الصراع المسلّح، سواء كان مباشر أو غير مباشر، من أشرس أنواع أسلحة الدمار على المستوى الإقتصادي، السّياسي، الاجتماعي، الإنساني وخصوصًا الطفولة. وذلك بسبب تأثيره السّلبيّ على الشّقّ النّفسي على المدى الطويل. فمن أكثر المتأثّرين بهذه الصراعات هم الاطفال. إذ تُعتبر الطفولة من أهمّ مراحل النّمو الشّخصي للإنسان فتبقى أحداثها المختلفة مؤثرة على سلوكيات الأفراد وشخصياتهم.

تُعدّ المرحلة العمرية (أي من الولادة وحتى الـ18 سنة) من أهمّ المراحل المؤثرة بشخصيات الأفراد. لذلك من المهمّ أن تكون هذه المرحلة داعمة لتنشئة خالية من الاضطرابات النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية التي تؤثّر سلباً على شخصيات الأطفال في المستقبل، إذ أنهم نواة  التنمية المستدامة لمستقبل البلاد. فكيف لنا أن ننهض بالتنمية المستدامة من دون موارد بشرية سليمة فكريا ونفسيًا؟

تشير الإحصاءات العالمية أن حوالي (142) مليون طفل في العالم يعيشون في مناطق تشتدّ فيها الصراعات، حيث بلغت نسبة الانتهاكات الجسمية كالقتل والتشوية والتجنيد والعنف الجنسي الـ 74%. ففي العام 2019م قدّرت منظمة الصحة العالمية أن 17% من الاطفال في مناطق الصراع يعانون من اضطرابات نفسية مختلفة.  

يتعرض أطفال مناطق الصّراع للعديد من الانتهاكات والأزمات والخبرات التي تترك آثار سلبية على المستويين القريب والبعيد. فالمواقف المخيفة والسيئة، لاسيما الغارات الجوية في مناطق الصراع تضاعف حدّة القلق والتوتّر والصدمة، مما يعني تعرّضهم للإجهاد السّام وهو عبارة عن ردود فعل على الإجهاد النفسي المستمرّ للأطفال الذين يعيشون في مناطق الصراع بشكلٍ مستمر ولفترة طويلة. وذلك يؤثر سلباً على بنية الدماغ خصوصًا من دون وجود معالجات نفسية لاسيما على الجانب المعرفي والانضباط العاطفي، ما ينعكس وبصورة واضحة على صحة الأطفال النفسية والصحية.

فضلاً عن ذلك، تعتبر مناطق الصراع في اليمن بؤر لانتشار الأمراض المعدية كالملاريا، والكوليرا، حمى الضنك، والدفتيريا، المكرفس، وسوء التغذية إلى جانب أمراض أخرى قد اختفت منذ عشرات السنين مثل شلل الاطفال، وذلك ناتج عن سوء الرعاية الصحية وانعدام الأمن الصحي والغذائي. فالأطفال في تلك المناطق معرّضون لأنواع إعاقات المختلفة، إمّا بسبب الألغام المزروعة في مناطقهم إمّا بسبب المناطق التي نزحوا إليها، بحيث تضطر الكثير من الأسر إلى الخروج من منازلها الواقعة في مناطق الصراع إلى مناطق أخرى والعيش في الخيام أو في العراء وهي مناطق طبعًا غير ملائمة للسكن. 

كلّ ذلك يؤثر على حياة الأطفال حيث يفقدون الكثير من فرص الحياة الكريمة وحقوقهم الضرورية كالمدارس وخدمة الإستشفاء ومصادر المياه النظيفة والتغذية الصحية، فضلاً عن تعرضهم للعديد من السلوكيات الغير سوية كالتحرّش الجسدي والإعتداء الجنسي، والاختلاط بالكثير من الأشخاص الأسوياء وغير الأسوياء واكتسابهم للكثير من السلوكيات التي قد تؤثر بعضها على مسار حياتهم بطريقة سلبية مؤدّيةً إلى انحرافهم.

وتتعمق صور الصراع المسلّح بصورة واضحة على المستوى الثقافي للأطفال حيث أن مخلّفات الصراعات الثقافية تترك أثر عميق في نفسياتهم وسلوكياتهم وانعكاسها على شخصياتهم ومستقبلهم كثقافة حمل السلاح مثلًا التي تظهر جلياً في تلك المناطق. فيختار الأطفال حمل السلاح في كل وقت مما قد يتسبب في ارتكابهم لجرائم قتل وبالتالي يصبحون من الأحداث الذين قد لا يجدون مراكز لتأهليهم وتصحيح سلوكياتهم. وحتى ثقافة اللعب تبدأ بالعنف والعدوان والصراع والتخريب وذلك يظهر في ممارستهم للّعب واللجوء للضرب واكتساب العصبية وشدّة الإنفعال في التعامل مع الآخرين ما يؤثر سلباً على سلوكياتهم في المستقبل.

على صعيدٍ آخر، تؤدّي الصّراعات إلى الفقر والحرمان من عائل الأسرة أو مصدر رزقها مما يدفع الكثير من الأطفال للعمل في أماكن قد لا تتناسب وأعمارهم ولا امكانياتهم الجسدية كحمل الأثقال مثلاً أو العمل على الآلات الحادة، ما يؤثر أيضًا على صحّتهم النفسية بكون ما يقومون به لا يتناسب مع متطلبات مرحلة نموهم الجسدي والنفسي. كما وتؤدي ممارستهم لتلك الاعمال إلى إصابتهم أحياناَ بإعاقات قد ترافقهم مدى الحياة، أو بمشاكل صحية تؤثر عليهم مستقبلاً. علاوةً على ذلك، قد يتمّ استغلال الأطفال جسدياً مقابل توفير مبلغ لأسرتهم، أو استقطابهم كوسطاء في توزيع المخدرات التي قد يستخدمونها هم  فيصابون بأمراض مزمنة أو إعاقات مدى الحياة.

ومن أخطر صور الصراع السلبية تتضح في انعدام الاستقرار الاسري. فالأسرة هي المعنية الأولى في العناية بالأطفال. وانعدام استقرارها لاسيما انعدام الأمن الأسري بمعناه المتكامل (الاسرة- المنزل- عائل للأسرة- مصدر للرزق) يعني اضطرابات نفسية، فتتأثّر حياة الطفل اجتماعيًا بفقدان عائل الاسرة، أو أحد الابوين أو احد الأقارب أو الاصدقاء، أو بمشاهدة صور للموتى وانتشال الجثث، ما يتسبّب في إصابتهم بالقلق المزمن، الفوبيا لاسيما الهلع.

أخيرًا، تعتبر مناطق الصراع المسلّح أكثر المناطق المنكوبة على وجه الأرض. فما تخلّفه تلك الصراعات أكثر خطورة وتأثيراً من النكبات الطبيعية كالفيضانات أو الزلازل. إذ تبقى آثار الدمار النفسي السّلبية النّاتجة عن الصراع العسكري مرافقة للأطفال في مراحل حياتهم المختلفة.

Name, Title

.تحليل ذو قيمة

bottom of page